أبو حامد الغزالي
21
محك النظر
فعلت المذاهب الفقهيّة والأصوليّة السنّيّة فعلها في آراء الغزالي ، وخصوصا مذهب الإمام الشافعيّ ( 150 - 204 ه / 769 - 825 م ) . وقد تلقّى الكثير من الفقه والأصول على يد الجويني كما ذكرنا . لكنّ تفصيله وتجديده الأصوليّين تأثّرا بمطالعاته المنطقيّة ، إضافة إلى رغبته العارمة في القضاء على روح الانحراف ، والتي تفشّت في عصره على أيدي قضاة الشرع الذين نزعوا إلى استغلال مناصبهم « 1 » . فدفع ذلك الغزالي إلى أن يتشدّد في قواعد الفقه ، ويقيّدها بطرق الاجتهاد الصارمة التي وضع لها الأسس والمناهج ، رافضا الاستحسان وكلّ استدلال يخرج على النسق المعياريّ المنطقيّ « 2 » . إنجذب الغزالي بالتيّار الصوفيّ الذي نضج واكتمل على أيدي المحاسيبي ( توفي 243 ه / 858 م ) والبسطامي ( 261 ه / 874 م ) والحلاج ( 309 ه / 922 م ) « 3 » وأبي طالب المكّي ( 386 ه / 997 م ) . وانتشرت التكايا والفرق الصوفيّة في عصره بشكل كثيف ، فاختلط سلوكها بمعارف صوفيّة وآراء فلسفيّة وكلاميّة . بل سلك بعضها طريقا عمليّا يعتمد ( الدروشة ) ويستخدم الوسائط من صياح ورقص وإنشاد : « والحق أنّ تعاطي المنبّهات كان فاشيّا في الحلقات الصوفيّة . . . » « 4 » . وقف الغزالي من كلّ هذه التيّارات موقفا وسطا ، باستثناء موقفه المعارض للباطنيّة . فقد توسّط السلف وعقليّي الإسلام . ووقف وسطا بين الشيعة والسنّة سياسيّا وضد غلاة الباطنيّة . وارتبط بموقف فكريّ وساطيّ بين الأدلّة الإيمانيّة المسلّمة تسليما مطلقا ، وبين مناهج البحث والنظر المنطقيّة العقليّة . وهو يقول في ذلك : « فالذي يقنع بتقليد الأثر والخبر وينكر مناهج البحث والنظر لا يستتبّ له
--> ( 1 ) بروكلمان ، تاريخ الشعوب الإسلاميّة ، ص 280 . ( 2 ) سنفصّل ذلك في الفصل الثالث من الباب الثاني . ( 3 ) أفرد الغزالي كتاب مشكاة الأنوار للدفاع عن بعضهم . ( 4 ) بروكلمان ، تاريخ الشعوب الإسلاميّة ، ص 282 .